بينما كان شمال الشام يحتفل بسقوط دمشق في يد المغول، كان جنوب الشام يعيش فترة من الترقب والرعب الحقيقي الذي يهدد الوجود. وفي قاعات القلاع الحجرية الضخمة لمدينة عكا المحصنة، اجتمع أسياد الفرسان الصليبيين من تنظيمات "الالداوية" و"الاسبتارية" حول طاولة مستديرة تملؤها الخرائط العسكرية، وكانت الأجواء مشحونة بالخوف والتردد. كان صليبيو عكا يملكون بعد نظر وقراءة أذكى للواقع مقارنة بإمارة أنطاكية؛ فالتقارير الاستخباراتية التي وصلت إليهم أكدت أن المغول وحوش لا يحترمون عهداً ولا يفرقون بين مسلم ومسيحي عند السلب، بل إنهم شنوا غارات همجية دمرت أجزاء من إمارة صيدا المسيحية بسبب مناوشات بسيطة. وفجأة، وسط هذا التوتر، طرق أبواب القلعة رسول مغطى بغبار السفر الطويل، يحمل رسالة خطيرة وحاسمة من قاهرة المماليك، أرسلها السلطان الجديد سيف الدين قطز. كانت الرسالة واضحة وتضع الصليبيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التزام الحياد التام وتأمين ظهر جيش المسلمين، أو الحرب الشاملة؛ حيث هدد قطز ببدء القتال بتصفية قلاع الصليبيين أولاً إن هم فكروا في طعن المماليك من الخلف. اشتعل النقاش الحاد وانقسم الفرسان بين منادٍ بممالأة المغول خوفاً من قوتهم، وبين حكيم يرى خطرهم القادم. ووقف أحد كبار الأسياد الحكماء وقال بصوت جهوري حسم الموقف: "إن نصرنا المغول اليوم، فسيدوسون أسوار عكا بحوافر خيلهم بمجرد أن ينتهوا من المماليك. المماليك جيران نحاربهم يوماً ونهادنهم يوماً، ونتقاسم معهم التجارة والعهود، أما هؤلاء التتار فهم إعصار مدمر لا عهد لهم ولا دين". وتوج هذا النقاش باتخاذ قرار تاريخي غير مجرى التاريخ الإنساني، وهو التزام الحياد الإيجابي الكامل لمصلحة المماليك.
: طاولة عكا المستديرة والقرار المصيري الذي غير مجرى العالم
Comments
