في منتصف القرن الثالث عشر، كانت العواصم الأوروبية مثل باريس وروما تعيش أوقاتاً عصيبة ومليئة بالرعب بسبب تراجع الوجود الصليبي في الشام أمام ضربات المسلمين. وفي وسط هذا الإحباط المخيم على الكنائس والقصور، تمسك ملوك الغرب وباباوات روما بأسطورة غريبة توارثوها عبر الأجيال، وهي أسطورة "الكاهن يوحنا"؛ ذلك الملك المسيحي الأسطوري الذي يقال إنه يحكم مملكة غنية وشاسعة في أقصى قارة آسيا، وأنه سيخرج يوماً بجيوش جرارة تفوق الوصف ليدمر المسلمين ويعيد بيت المقدس لأحضان البابوية. وعندما بدأت تتوارد الأخبار المرعبة عن زحف جيش التتار المغول واكتساحهم للممالك الإسلامية كالجراد، ظن البابا "إنوسنت الرابع" والملك الفرنسي "لويس التاسع" أن النبوءة قد تحققت أخيراً، وأن هؤلاء الفرسان القادمين من السهوب هم جيش الخلاص الموعود. سارع الملك والبابا بإرسال الوفود والرهبان في رحلات شاقة قطعت آلاف الأميال عبر الفيافي حاملي رسائل تعرض التحالف العسكري وتدعو الخانات لاعتناق المسيحية. لكن الصدمة التي هزت عروش أوروبا كانت مريرة؛ إذ جاءت ردود خانات المغول مغلفة بكبرياء مفرط وصلف شديد، حيث كتبوا في رسائلهم أنه لا يمكن أن يقوم تحالف بين السيد والعبد، وأعلنوا أنهم "قوة الله في الأرض" التي خضعت لها كل الأمم، وأمروا بابا روما وملوك الفرنجة بترك عروشهم والمجيء فوراً إلى العاصمة المنغولية "قراقورم" لتقديم فروض الطاعة والولاء ودفع الجزية، وإلا فسيتم سحق بلادهم وإبادة شعوبهم. هنا، انقشع الضباب واستيقظت أوروبا على الحقيقة المرة: التنين القادم من الشرق لا يبحث عن حلفاء يتقاسم معهم الغنائم، بل عن عبيد يخضعون لسطوته.
