غضب غازان التتاري وسراب الرهان الأخير في صحراء السياسة


​مرت العقود على هزيمة المغول في عين جالوت، واستقرت قواتهم في العراق وإيران حيث أسسوا ما عرف بـ "الدولة الإيلخانية"، لكن رغبتهم في السيطرة على الشام لم تنطفئ، وظلوا يحاولون مراراً وترقباً إحياء فكرة التحالف القديم مع الأوروبيين لضرب المماليك. وفي عام 1299 م، تجددت الآمال والأطماع في قلوب بعض الحكام الصليبيين المتبقين على الساحل عندما قاد الخان المغولي "محمود غازان" حملة عسكرية ضخمة واجتاح بها مدن الشام، محققاً نصراً مؤقتاً وصادماً على جيش المماليك في معركة وادي الخزندار. سارع فرسان الصليب لمحاولة التنسيق العسكري مع غازان واستغلال الانكسار المملوكي لاستعادة مدنهم وقلاعهم المفقودة، وظنوا أن فرصة العمر للانتقام قد حانت أخيراً. لكن الواقع على الأرض كان يحمل درساً قاسياً وجديداً؛ فجيوش التتار كانت تتحرك بطبيعتها الوحشية والعمياء التي لا تفقه في السياسة شيئاً، ولم تفرق طليعة الجيش التتاري بين حصن مسلم أو قرية مسيحية، فاندفعوا ينهبون المزارع ويحرقون المحاصيل التابعة للصليبيين أنفسهم، وعاثوا في مناطق نفوذهم فساداً وسلباً دون أي احترام للمراسلات الدبلوماسية. وأمام هذا المشهد الفوضوي، تراجع الصليبيون خائبين وأدركوا للمرة الألف أن الرهان العسكري على المغول هو أشبه بالقبض على السراب والريح، وأن هؤلاء الغزاة لا يملكون في قاموسهم شيئاً يسمى التحالف المتكافئ أو احترام الصداقات.
 

Comments