لمدافع الأخيرة فوق أسوار عكا ونهاية حلم الوجود الصليبي



​مع مرور السنين وتوالي الهجمات، أيقن سلاطين المماليك العظام، من الظاهر بيبرس إلى المنصور قلاوون، أن بقاء أي جيب أو حصن صليبي على ساحل الشام يشكل تهديداً استراتيجياً وجودياً؛ لأن هاته القلاع كانت تعتبر بمثابة "ثغرات أمنية دائمة" وقواعد عسكرية متقدمة يمكن للمغول استغلالها والرسو فيها في أي غزو مستقبلي قادم من إيران أو العراق بالتعاون مع أوروبا. وبناءً على هاته الرؤية العسكرية الحذرة، قرر المماليك إنهاء اللعبة تماماً وتصفية الوجود الصليبي من الجذور. وفي عام 1291 للميلاد، قاد السلطان الشاب "الأشرف خليل بن قلاوون" جيشاً هائلاً لم تشهد الشام مثله منذ فترة طويلة، وجرّ معه المدافع والمنجنيقات الضخمة ونصبها أمام أسوار مدينة عكا، التي كانت تعد أقوى وآخر معاقل الصليبيين الحصينة في الشرق. دارت معركة ملحمية مرعبة، كانت قذائف المدافع تدك الأسوار الحجرية ليلاً ونهاراً بلا هوادة، ومع تهاوي الأبراج الدفاعية واقتحام الجنود المماليك للمدينة الباسلة، أدرك الصليبيون أن وقتهم قد انتهى. ركَب آخر الفرسان من "الداوية" و"الاسبتارية" سفنهم على عجل وفروا عبر أمواج البحر الأبيض المتوسط نحو قبرص وأوروبا، ليسدل الستار نهائياً وإلى الأبد على الوجود الصليبي في بلاد الشام، في خطوة استراتيجية مملوكية حاسمة سدت كل المنافذ والثغرات في وجه الإعصار المغولي.
Comments