في ليلةٍ من ليالي عام 1260 للميلاد، كان الحبر لم يجف بعد على رسائل البابا في روما، وكانت الرياح تهب باردة على أسوار عكا، آخر معاقل الصليبيين في الشام. في تلك الآونة، لم يكن صوت يلوح في الأفق أعلى من قعقعة سيوف التتار، الذين قادهم "هولاكو" ليدوسوا ببغالهم وخيولهم عواصم الشرق، تاركين خلفهم رماد بغداد ودماء أهلها.
في قاعات القلاع الصليبية المظلمة، جرت همسات غامضة. كانوا يتحدثون عن أسطورة قديمة صاغتها مخيلتهم: "الكاهن يوحنا". ملك مسيحي ساحر وقوي سيأتي من أقصى الشرق ليقضي على المسلمين وينقذ بيت المقدس! وظنوا، في غفلة من أمرهم، أن "المغول" هم ذلك الجيش الموعود.دمشق: خديعة التحالف المسموم
لم تكن كل القلوب الصليبية على قلب رجل واحد. في الشمال، كان الأمير "بوهيموند السادس"، صاحب أنطاكية، يرى في المغول فرصة العمر. انحنى لهولاكو، وقبّل الأرض بين يديه، وأعلن التبعية المطلقة.
وفي يوم مشؤوم، دخلت جيوش المغول دمشق يقودها القائد النسطوري "كتبغا". ولم يكن بمفرده، بل كان بوهيموند والملك الأرمني "هيتوم" يسيران في ركابه. دخلوا دمشق دخول الفاتحين المتغطرسين؛ حوّلوا الجوامع إلى خمارات، ورشوا الخمر على جدران المساجد، وظن الصليبيون الخاضعون للمغول أن الشرق قد دان لهم أخيرًا.
لكن المغول لم يكونوا يبحثون عن حلفاء.. كانوا يبحثون عن عبيد.
حين أرسل لويس التاسع ملك فرنسا وبابا روما رسائل لطلب التحالف، جاء الرد المغولي كالصاعقة: "لا تحالف بين السيد والعبد. اخضعوا لخان المغول، وادفعوا الجزية، وإلا سحقناكم كما سحقنا غيركم". هنا، استيقظ الغرب على الحقيقة المرة: التنين القادم من الشرق لا يفرق بين هلال وصليب.
صخرة عكا: القرار الذي غير التاريخ
في جنوب الشام، وتحديدًا في قلعة عكا، كان أسياد الفرسان (الداوية والاسبتارية) يجلسون حول طاولة مستديرة، وعيونهم تدور رعبًا. فالجنود المغول بدأوا يغيرون على أطراف صيدا، ولم يحترموا "المسيحيين" كما توهم البعض.
وفجأة.. طرقت الأبواب بعنف.
رسول من مصر، يحمل رسالة من سلطان المماليك الجديد، سيف الدين قطز.
الرسالة كانت واضحة وحاسمة: "جيش المسلمين قادم لمواجهة المغول. إما أن تكونوا معنا، أو تلتزموا الحياد التام. وإياكم والغدر"!
وقع الصليبيون في حيرة قاتلة؛ هل يتحالفون مع المغول (الذين يهددون بابتلاعهم)؟ أم يطعنون المماليك في ظهرهم؟
وقف أحد الحكماء في المجلس وقال: "إن نصرتم المغول، أكلونا بعد المسلمين. وإن نصرتم المماليك، فهم جيران نعرفهم وندين لهم بالعهود".
واتُّخذ القرار التاريخي: الحياد الإيجابي للمماليك.
فتحت عكا أسواقها لجيش قطز، وباعوا للمسلمين الميرمية والقمح والعلف، وسمحوا لجيش المماليك بالمرور بسلام بمحاذاة الساحل. كانت هذه المناورة بمثابة الرئة التي تنفس منها جيش المسلمين قبل أن ينقضّ على المغول في معركة عين جالوت ويسحق أسطورتهم التي لا تقهر.
غدر الصحراء.. ونهاية الحلم
لم ينسَ المغول لصليبيي الساحل هذا الموقف. وبعد انكسار موجة المغول الأولى وتأسيسهم لـ "الدولة الإيلخانية" في إيران، تحولت العلاقة إلى انتقام صامت وضغينة متقدة.
وفي عام 1299 م، عندما عاد الخان المغولي "محمود غازان" ليجتاح الشام مجددًا، اعتقد بعض الصليبيين أنها الفرصة السانحة لاستعادة أمجادهم. لكن غازان، ورغم ميله لبعض القوى المسيحية، لم ترحم جيوشه الحصون الصليبية؛ فكانت الغارات التتارية تضرب الأخضر واليابس، ونهبت طليعة جيشهم مناطق صليبية دون تمييز، مما أثبت للصليبيين أن الرهان على المغول كالقبض على الريح.
الستار يسدل على الجميع
أدرك المماليك (بقيادة الظاهر بيبرس ثم الأشرف خليل) أن وجود الصليبيين في الشام يشكل ثغرة قد يستغلها المغول في أي وقت. وبذكاء عسكري حذر، بدأ المماليك بتصفية هذه الحصون واحدًا تلو الآخر.
تساقطت أنطاكية الخائنة، ثم طرابلس، وفي عام 1291 م، دكت المدافع المملوكية أسوار عكا وسقطت آخر قلاع الصليبيين في البحر.
أما المغول؟ فقد نظروا إلى خارطة الشام ووجدوها قد طُهرت تمامًا من النفوذ الأوروبي، ولم تمر سنوات قليلة حتى اعتنق خانات المغول الإسلام، لينصهر ذلك الجيش المرعب في حضارة الأرض التي حاول تدميرها، وتنتهي إلى الأبد قصة "التحالف المستحيل" الذي خطط له ملوك أوروبا في غرفهم المظلمة.
