عندما إنحنى الكهنة للمحارب القادم من الشمال

 

# الإسكندر الأكبر في مصر:

كان الليل قد أرخى ستاره على أسوار مصر، لكن الأخبار كانت تنتشر أسرع من الريح.

"الفرس ينهزمون..."

"مدينة بعد أخرى تسقط..."

"شاب لم يتجاوز الثلاثين يقود جيشاً لا يعرف الهزيمة..."

في القرى والمدن المصرية، كان الناس يتناقلون اسماً واحداً: الإسكندر.

في ذلك الوقت كانت مصر تعاني تحت حكم الفرس. الضرائب تثقل كاهل الناس، والتمردات تُقمع بقسوة، والكثير من المصريين كانوا يحلمون بمن يحرر بلادهم.

ثم ظهر في الأفق.

جيش ضخم يتقدم عبر الصحراء. آلاف الجنود، رايات ترفرف تحت شمس لا ترحم، وفي المقدمة فارس شاب بعينين تلمعان بالطموح.

لم يكن يعلم أحد أن تلك اللحظة ستغيّر تاريخ مصر إلى الأبد.

عندما اقترب الإسكندر من الحدود المصرية سنة 332 قبل الميلاد، كان الجميع يتوقع معركة هائلة. لكن المفاجأة كانت أن المصريين لم يستقبلوه كغازٍ، بل كمحرر.

فُتحت له أبواب المدن الواحدة تلو الأخرى.

لم تُرفع السيوف في وجهه.

ولم تُشعل النيران على الأسوار.

بل خرج الناس لمشاهدته وهو يدخل البلاد التي حكمها الفراعنة آلاف السنين.

كان الإسكندر مندهشاً.

ففي البلدان الأخرى كان عليه أن يحاصر المدن ويكسر جيوشها، أما هنا فكانت الطرق تُفتح أمامه وكأنه ملك عائد إلى عرشه.

لكن أكثر الأحداث غرابة لم تقع في العاصمة.

بل في قلب الصحراء.

قرر الإسكندر القيام برحلة خطيرة إلى واحة بعيدة حيث يقع معبد الإله آمون.

حاول بعض قادته ثنيه عن الفكرة.

الصحراء قاسية.

والطرق مجهولة.

والعواصف الرملية قد تبتلع جيشاً كاملاً.

لكنه أصر.

لأيام طويلة عبرت القافلة بحاراً من الرمال الذهبية. كان الحر ينهش الأجساد والعطش يطارد الرجال.

ثم ظهر المعبد أخيراً بين أشجار النخيل.

تقدم الإسكندر نحو الكهنة.

ساد الصمت.

كانت لحظة ينتظرها الجميع.

ماذا سيقول الكهنة لهذا الشاب الذي هزم أعظم إمبراطورية في العالم؟

اقترب كبير الكهنة منه.

ثم انحنى.

وانحنى معه بقية الكهنة.

وفي تلك اللحظة أعلنوا أن الإسكندر ليس مجرد ملك عادي، بل ابن للإله آمون وفق التقاليد الدينية السائدة آنذاك.

خرج الإسكندر من المعبد شخصاً مختلفاً.

كان قد دخل مصر قائداً منتصراً.

وخرج منها وهو يؤمن أن قدره أكبر من مجرد حكم الممالك.

بدأ يحلم بإمبراطورية تمتد من شواطئ البحر المتوسط إلى أقاصي آسيا.

لكن هديته الأعظم لمصر لم تكن معركة ولا كنزاً.

كانت مدينة.

وقف ذات يوم على ساحل البحر المتوسط يتأمل الأمواج المتلاطمة.

أشار بيده إلى قطعة أرض بين البحر وبحيرة واسعة وقال لقادته:

"هنا سنبني مدينة لا مثيل لها."

ضحك بعضهم.

فالمكان لم يكن سوى قرية صغيرة للصيادين.

لكن الإسكندر رأى ما لم يره الآخرون.

رأى موانئ تعج بالسفن.

ورأى علماء من كل أنحاء العالم.

ورأى تجارة تربط الشرق بالغرب.

وهكذا وُلدت الإسكندرية.

مدينة ستصبح بعد سنوات قليلة واحدة من أعظم مدن العالم القديم، ومركزاً للعلم والثقافة والتجارة.

لكن القدر كان يخبئ مفاجأة أخيرة.

فالرجل الذي حلم بحكم العالم كله لم يعش طويلاً.

بعد سنوات قليلة من مغادرته مصر، توفي الإسكندر فجأة وهو في الثانية والثلاثين من عمره.

انتهت حياته بسرعة مذهلة.

لكن أثره في مصر بقي قروناً طويلة.

وحتى اليوم، عندما تُذكر مدينة الإسكندرية، أو تُروى قصة الفاتح الشاب الذي عبر الصحارى وهزم الإمبراطوريات، يعود اسم واحد ليتردد عبر الزمن:

الإسكندر الأكبر... الرجل الذي دخل مصر فاتحاً، وخرج منها أسطور
ة. 

Comments